الشيخ علي المشكيني
133
رسائل قرآنى
التكريم : جعل الشيء ذا كرامة وشرافة ، والكرم : اسم للأخلاق الفاضلة ، والأفعال المحمودة ، وسائر الصفات الحسنة . والتفضيل : وصف إضافي بالنسبة إلى غيره . فتكريم الإنسان في صفات جسمه عبارةٌ عمّا ذكرناه من انتصاب القامة وتركّب أعضاء الجسد على نحو يقوى بها على التصرّف في أجزاء هذا العالم ، ويتناسب أعضاؤه شؤونه ومشاغله ؛ وفي نفسه وروحه عبارةٌ عن إعطاء العقل والإدراك وما هو وسيلة لإظهار ما تعقّله وأدركه من البيان واللسان والقلم والبيان ، وتعليمه الدين والحكمة بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وهدايته على كيفيّة استخراج رزقه وإدارة معاشه على نحو لم يجعله لغيره ولم يمكّن سواه . ومن تكريمه وتفضيله تسخير الأرض والسماء ، والشمس والقمر ، والبراري والبحار له ولأجله ونفعه ، وحمله على المراكب والسفن في البرّ والبحر . ثمّ إنّ قوله : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ، أيفضّلنا نوع الإنسان بما هو هذا النوع على كثير من المخلوقات ، لا على الجميع ؛ إذ بعض الملائكة كالروح وجبرئيل وإسرافيل عليه السلام مثلًا أفضل . ومنها : تعليمه البيان ؛ قال تعالى : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ « 1 » . والبيان عبارة عن التعبير عمّا في الضمير بالألفاظ ، وإفهام المقاصد بالكلمات . وهذا الوصف من أعجب ما منحه اللَّه تعالى لهذا الموجود ، وميّزه به عمّا سواه من الحيوان ؛ إذ يحكي بذلك عن كلّ شيء أراده ، ويصوّر لسامعه ، ويجسّم في نظره كلّ ما غاب عن الحواسّ وكلّ ما دقّ ولطف من بسائط عالم التكوين ومركّباتها ، ويعرف المعقولات ، ويصوّر المحسوسات ، ويلقى المطالب العقليّة التي لا مسرح للحسّ فيها . وبالبيان ألهمه اللَّه المعارف بلسان أنبيائه ، وعلّمه الكتاب بإرسال رسله ، وبه هداهم إلى صراطه ، وعرّفهم الطريق إلى هداهم وشقائهم . هذا بالنسبة إلى نفس البيان والقدر الخاصّة فيه ، وأمّا ما به البيان واللغات والكلمات
--> ( 1 ) . الرحمن ( 55 ) : 1 - 4 .